كرونو

..
..

"أَوقِفوا الكُرة نرجوكم نُريد أَن نَعيش بِسلامٍ!"

محمد زايد (البطولة)

خرج "عبد الله" صباح أحد الأيام متجها نحو صديقه الذي ألِف أن ينتقل معه في كل مرة إلى الملعب، قصد تشجيع فريقه الذي ينتمى إليه منذ صغره، منذ أن كان في عمر الزهور، حيث اسطحبه والده ذات يوم، و سنه لا يتجاوز الأربع سنوات، حين كان فريقه المفضل يخوض نهائيا قاريا وقتها، ومنذ ذلك الحين، و وهو مُتيم بحبه.


عبد الله يقضي فترة تدرب بإحدى الشّركات، بعد أن تخرج الموسم الماضي في مجال الهندسة المعلوماتية، التي أحبها وفضل دراستها على المحاماة التي كانت والدته تمني نفسها أن يمتهنها،  لكن رغبته بمساعدة والده، كانا أكبر من ميول أمه.


كان صباحا باردا من شتاء هذا العام، و لم يمنع ذلك صديقنا عبد الله من عقد العزم و السفر لمدينة أخرى من أجل تشجيع ناديه المفضل، و كما العادة دائما، حمل حقيته الصغيرة على ظهره، التي تحمل قنينة ماء، و بعض قطع الخبز "الباريسي" المملوءة بالجبن الأبيض والأحمر وبعض شرائح اللحم المفروم، و عصائر كلها كانت من صنيع والدته، التي تحثه علي عدم أكل ولو قطعة "شكلاطة" خارج البيت، كما تحرص على اصطحابه لسجادة صلاة و نسخة من القرآن بحقيبة ابنها، كشرط للسماح له بالتنقل لتشجيع فريقه، مادام يصر علي ذلك دائما، رغم أنها حاولت غير ما مرة، دون جدوى.


يصر عبد الله على التنقل عبر القطار  في كل مرة، أو الحافلة أحيانا، ولا يحبذ فكرة التنقل عبر الرحلات المنظمة، فذاك أحد شروط والدته أيضا، التي توصيه بقضاء فترة رحلته وهو يمسك بين يديه المصحف يتلو بعض آياته، كي يكون الله حافظا له، رغم أنه يختار أحيانا قضاء الرحلة في ترديد أغاني "الفيراج" التي يحفظها جميعها عن ظهر قلب.


وصل عبد الله للمدينة المذكورة، وكانت السماء تمطر بزخات قوية، و عملية الخروج من محطة القطار والتوجه إلى ملعب المباراة لم تكن كالمألوف، حضور أمني قوي، وأيضا جماهيري أقوى، هرج ومرج، و ضعف في التنظيم وسوء في المعاملة أيضا من هذا الجانب و ذاك، نتج عنه بعض المشاحنات التي حولت الصورة العامة لفوضى و صراخ  واشتباكات هنا وهناك.


لأول مرة يشهد عبد الله مشهدا مثل هذا في إحدى تنقلات مع فريقه، وفي الوقت الذي كان يحاول الخروج من المحطة تلك أو العودة للقطار الذي أتى منه، تفاجأ برقم والدته تتصل به، فلم يعرف كيف يجيبها، وهو وسط الفوضى فاختار تجاهل المكاملة ل "حين ميسرة"،  إلى أن صرخ فيه صديقه قائلا:

آش هاد المصيبة طحنا فيها أ عبد الله، تا آش هادشي غادجي فينا شي زرواطة ولا شي حاجة شنو غانديرو دابا..

 

فرد عليه قائلا:
والله ماعرفت، آش بان ليك نرجعو، ولكن مايخلويناش، يالله نحاولو نخرجو و نصبرو للدق..


نفذا فعلا تلك النصيحة، و حاولا اقتحام الجمْع كما يفعل البعض، وفجأة، سقطت الحقيبة بقوة التدافع من على كتفيْ  "عبد الله"، فحاول رفعها، لكنه فقد توازنه في لمح البصر، وأصبح تحت أرجل من كانوا هنالك، حاول صديقه رفعه، وهو يصرخ:
عبد الله.. عبد الله عطيني يدك، عبد الله، وآآآآآآا عباد الله الدري غيموت لتحت..


لم يسمعه أحد، من فرط الفوضى والتدافع، بعد أن أقفلت أبواب المحطة في وجه كل من كانوا بداخلها، و صديقه يهتف ويحاول إمساك يده، حتى اختفى عن ناظريه، وهو يركل ويدهس هو الآخر، جاثيا على ركبتيه.


مرت أقل من ساعة على تلك الفوضى، حل الهدودء بالمحطة، بعد أن تم كسر زجاج أحد الأبواب، و إخراج كل من علق بالمحطة، وأغلبيتهم من المشجعين، فخلف الحادث عددا كبيرا من الجرحى للأسف و حتى القتلى، الذين وصل عددهم لـسبعة، من بينهم أخونا عبد الله.


كانت والدته على أعصابها متسمرة أمام التلفاز تراقب عن كثب بداية المباراة، لتسمع عن شيء أخبره بها قلبها، بعد أن اتصلت لأكثر من 20 مرة دون أن يجيبها ابنها، إلى سمعت صوت المعلق يفتتح اللقاء بالجملة التالية:


"مرحبا بكم سيداتي سادتي في هذا اللقاء المهم، والذي سبقته أحداث مؤسفة بمحطقة قطار المدينة، إذ شهد حالة تدافع و فوضى غير مسبوقين، نتج عنها  جرح أكثر من 30 مشجعا، و وفاة 7 آخرين، وهو السبب الذي قررت معه السلطات إجراء هذه المواجهة دون جمهور في قرار استعجالي و...."


لم تسمع لما تبقى مما قاله المعلق، فقد سقطت مغشية عليها، و قلبها يخبرها أن القتلى قد يكون من بينهم ابنها الوحيد عبد الله، قبل أن تتأكد من ذلك رسميا حين توصلت بمكالمة هاتفية من سلطات المدينة التي رحل إليها ابنها، فكان موته موتا لها ولوالده، اللذان توفيت روحهما إلى الأبد، وظلت أجسادهما تجاور الآخرين إلى أن يحين أجلهما، بعد أن دخلا في أزمة نفسية حادة، خاصة والدته التي أصيبت باكتئاب حاد، جعلها تفكر في الانتحار في أكثر من مرة.


رحل عبد الله، ورحل معه ستة آخرين، هاجروا هذه الدنيا، و ذنبهم أنهم شجعوا فريقا ذات يوم كان سببا في وفاتهم، لم يكونو أبدا لا مجرمين ولا حتى مشاغبين، كانوا يحبون كرة القدم، وجاؤوا ربما في وقت و زمان أضحت فيه هذه الرياضة تقتل العقول والقولب والأجساد، بل و تقلب حياة أسرة أو عائلة رأسا على عقب، فتموت كلها بوفاة فرد منها، كحال أسرة عبد الله، الذي توفيه والديه رغم حضورهما الآني في هذه الدنيا، بمجرد دفنهما له تحت التراب."


ربما هي قصة من خيال كاتب مل من سماع قصص محزنة كالتي عاشها منير ومصطفى يوم الأربعاء الماضي  و اختتمت بوفاتهما رحمهم الله، و قبلهما كثيرون، لكنه واقع أضحى اليوم يهدد سلامة أي فرد منا، مهما اختلفت تواجهاته أو فكره أو حتى قناعاته، لقد صرنا في وطن كرته تقتل الأبرياء أكثر مما تدخل الفرحة فيهم.. فأوقفوا ممارستها إن كانت ستستمر في حصد أرواح الأبرياء مجددا، نريد أن نعيش في سلام نرجوكم.

m.zaid@elbotola.com

عرض المحتوى حسب: