كرونو

None

تقرير خاص | دولٌ ضمنها المغرب تختلف حول جدوى استعمال "الكمامات" .. ماذا يقول العِلم عن فعاليتها في الوقاية من فيروس "كورونا"؟

إذا كان الإجماعُ ثابتٌ حول سُرعة انتشار فيروس "كورونا" بين العُنصر البشري، فإن الكمامات التي تَنَامى استعمالها منذ ظهور الوباء تتضارب حولها الآراء، بين من يُشدِّد على ضرورة ارتدائها في جميع الحالات، حتى بالنسبة لغير المُصابين بالعدوى، ومن يعتبر أن استخدامها مُقترنٌ فقط بالأشخاص الذين يُعانون من "كوفيد19"، أو من يتكفَّلون برعايتهم.


هذا السِّجال القائم بين التَّياريْن يعكس تردُّد مجموعة من الدول في اعتناق موقفٍ حازم تُجاه السِّياق الذي يجب أن تُستعمل فيه الكمَّامات، في غيابِ دراساتٍ علمية تجزم هي الأخرى في الأمر، فحتى "منظمة الصحة العالمية" فيروس "كورونا" ومن يسهرون عليهم فحسب، قبل أن ، خاصة لدى قضاء أغراض خارج المنزل مثل التسوُّق.



تأرجح في المواقف


في بداية الأزمة الصحية التي أحدثها الوباء، حرصت دولٌ مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والمغرب على دعوة مواطنيها لعدم اللُّجوء إلى الكمَّامات ما دامت العدوى لم تتسَلَّل إليهم، ولا هم في وضعية الاعتناء بمرضى "كوفيد-19". وردَّدت وزارة الصحة في حكومة سعد الدين العثماني من خلال أن "أقنعة الوجه" ليست ذات جدوى، وفعاليتها تقتصر فقط على الفئة التي تُكابد المرض، ومن يخدمها ويُحيطها بالعناية.





ما نادت به فرنسا وبلاد "العم سام" مواطنيها لم يصمد كثيراً دون أن يتعرّض للطَّعن، فقد اعتنقت منظمات صحية محلية رأياً مُخالفاً، مثل أكاديمية الطب الفرنسية التي طالبت بتعميم ارتداء "الكمامات"، وتأكيد على ضرورة وضع الأقنعة على الوجه بالنسبة لكل من يقضي أغراضاً خارج المنزل، بناءً على خُلاصات أبحاثٍ أجرتها المؤسستان.


وقالت ، إن إلزام الجميع بهذه الخطوة بوسعه إبطاء إيقاع انتقال العدوى بين الأشخاص، وستُشكِّل إجراءً منطقياً وفعالاً للتدابير الوقائية المعمول بها داخل البلد للحد من تفشي الوباء.





يُعزى اختلاف المواقف وتأرجحها إزاء الإطار الذي ينبغي أن تُستعمل فيه "الكمامات" إلى ما أوردته بعض الدراسات عن احتمالية انتقال العدوى من خلال الهواء فقط، وليس بالضرورة الرَّذاذ المُنبعث بواسطة السُّعال أو العطس، وفقاً الذي أجرته الأكاديمية الأمريكية للعلوم، بعدما كان الكثيرون يُسلِّمون بأن الفيروس لا ينفذ إلى البشر سوى بالقطرات المنبثقة من فم أو أنف الشّخص المُصاب.


عدم ظهور الأعراض على عدد ممن يحملون المرض والذين قد تصل نسبتهم إلى 25 في المئة يُعمِّقُ كذلك النِّقاش بين التَّياريْن، إذ يقول المُدافعون عن ارتداء الكمامات إن استخدامها من طرف الجميع سيُقلِّص حتماً من وتيرة انتقال الوباء، وبأن الذين لا يدرون إصابتهم به لن ينقلوا العدوى إلى أشخاص آخرين بفضل تغطيتهم لجزءٍ كبير من الوَجه، بشكل يحول دون انبعاث أي جسيمات من اللُّعاب أو إفرازات الأنف.


اجتهادات علمية في حاجة إلى الإثبات


في سنة 2009، أجرى فريق أسترالي من الباحثين حول أسر الأطفال الذين يعانون من أمراض شبيهة بـ"الأنفلونزا"، وعملوا على مُتابعتهم ومواكبتهم، وخلصوا في آخر المطاف إلى أن أفراد العائلة الذين يرعون هؤلاء الأطفال يحظون بحماية أكبر عندما يرتدون الأقنعة على وجوههم.





وغير بعيد عن هذه السنة، بعدها بعام واحد فقط، أشرف الباحث الأمريكي "أييلو" على ارتدى فيها طلاب بعض الجامعات الكمامات في موسم "الأنفلونزا"، وقد لوحظ أن رقم الإصابات لم ينخفض، إلا عندما قام بعض الطلاب "المُقنَّعين" بالموازاة مع ذلك على تطهير أيديهم بانتظام.


"حينما تطلَّلِع على هذيْن الدراستيْن، لا تلمس فروقاً كبيرة، ليس هناك طريقة حالياً لإدراك حقيقة الأمر على أرض الواقع، لكن أعتقد أنه لا توجد مخاطر في ارتداء الأقنعة وقد تُوفِّر فائدة"، يقول الباحث "أييلو"، بينما يُشير آخرون إلى أن هذه الكمامات تمنح "شعوراً زائفاً" بالأمان، وتُعرِّض مرتديها للمس وجهه في بعض الأحيان.


على غرار الدراستيْن سالفتيْ الذِّكر، تتعارض الأبحاث المُنجزة في هذا الإطار تُجاه نجاعة "الكمامات" في الحماية من وباء "كورونا"، وإن كانت لها القدرة على الأقل على التقليص من وتيرة السُّرعة التي ينتقل بها الفيروس بين الأشخاص.


النموذج الصيني


تُعتبر الصين من البُلدان التي حسمت سريعاً في مسألة أقنعة الوجه، بفرض ارتدائها بشكل إلزامي في بعض المناطق على سكانها لدى مغادرة المنازل. ويُرجع العديدون إبطاء البلد الآسيوي لوتيرة انتشار الوباء في الأسابيع الماضية إلى هذا الإجراء، إلى جانب تدابير أخرى لعبت أيضاً دوراً في هذه النتيجة.





جورج جاو، المدير العام للمركز الصيني لمكافحة الأمراض، أوضح في مع مجلة "ساينس"، أن الولايات المتحدة الأمريكية وبعض البلدان الأوروبية ارتكبت خطأ فادحاً بعدم تعميمها ارتداء "الكمامات"، مُضيفاً: "هذا الفيروس ينتقل بالقطرات والاتصال الوثيق، فعند الحديث ينبعث رذاذ من اللعاب، لذلك من الواجب وضع القِناع".


وسارت دول أخرى على منوال الصين، مثل جمهورية التشيك، التي أوصت في خطاباتها ورسائلها الموجهة إلى المواطنين بوضع الأقنعة على الوجه، والتي أشارت بعض التقارير إلى أن نسبة ارتفاع الإصابات بالفيروس داخل البلد انخفضت من 20 إلى 6 في المئة (29 مارس)، بعدما جرى فرض "الكمامات" انطلاقاً من الـ18 من شهر مارس الجاري.





هذا المبدأ وجد له موطئ قدمٍ في الولايات المتحدة الأمريكية كذلك، فقد سنَّت مدينة "لاريدو" بولاية تيكساس قانوناً يُقيِّد السكان بوضع "الكمامات" في الفضاءات العامة وعند مغادرتهم المنزل، وإلا عوقبوا بغرامة مالية تصل إلى 1000 دولار.


ارتفاع في الطلب

رغم الاختلاف الدائر حول جدوى أقنعة الوجه في الحماية من فيروس "كورونا"، أخذ الطَّلب على "الكمامات" يتزايد بصورة سريعة في الأسابيع القليلة المنصرمة. وفي هذا الصَّدد، كشف وزير الصحة الفرنسي، أن من الصين، في انتظار التوصل بها على دفعات في الأسابيع القليلة القادمة.


من جانبها، صدَّرت الصين، منذ بداية شهر مارس الماضي، ما يُناهز 4 ملايير "كمامة" إلى 50 بلداً من دول العالم، وفقا لما ذكره مسؤول عن الخدمات الجمركية، جين هاي، في الوقت الذي أفادت فيه تقارير إعلامية بأن البلد الآسيوي جنى لحدود الآن مليار و423 مليون دولار من صادراته في هذه الفترة.





ويرتبط ارتفاع الطلب على هذه المادة حسب العديدين باتساع قاعدة الدول التي انتشر فيها الفيروس، إضافة إلى تعزيزها للإجراءات والتدابير الوقائية لمحاصرة الوباء، من قبيل فرنسا، التي تتجه استنادا إلى تقارير إعلامية إلى تعميم ارتداء الكمامات في الفضاء العمومي.


وفيما من المُنتظر أن يستمر الجدل بشأن فاعلية "الكمامة" في اتقاء شر "كوفيد19"، ما دام العالم لازال في ذروة هذه الأزمة الصحية، وفي غياب أي دراسات علمية تحسم في هذه المسألة، فإن سكان المعمور مُطالبون بالتقيد الصارم بكافة الإرشادات والتوجيهات، من "تباعد اجتماعي" والحرص على توفير شروط النظافة وغيرهما.

عرض المحتوى حسب: