كرونو

None

ضجيجُ الأرائك وعرقُ الميادين: لماذا يُرعبهم النجاح المغربي؟

ترددت كثيراً في الكتابة حول كأس أفريقيا التي استضافتها المملكة المغربية، ولكن بعد ما شاهدته من ردود أفعال على ما حدث في المباراة الختامية تحديداً، وتصريحات تتعلق بالتنظيم والتجهيزات، قررت أنه لا مكان للصمت وسط هذا الضجيج السيء الذي يشي بالكثير من الكراهية والحقد غير المبررين.

لقد سمعنا على مدى أسابيع في وسائل الإعلام العالمية شهادات الخبراء الدوليين التي وصفت الدورة الأخيرة بأنها الأجمل والأرقى في تاريخ كرة القدم الأفريقية، بل ووصفها أهل الاختصاص بأنها الدورة الأولى التي تضع "الكان" في مصاف مباريات كأس العالم؛ تنظيماً، وأمناً، وملاعب، وتفاصيل دقيقة.

وهو إنجاز كبير للمغرب؛ قيادةً ومؤسسات وشعباً، سيجعل المقياس عالياً والمهمة عسيرة على من سيلي في تنظيم هذا الحدث.

لا أريد أن أمتدح المملكة المغربية، فمن يعرف المغرب يعرف تلك الإمكانات الكبيرة والطاقات الواعدة والإنجازات الكثيرة التي تسير وفق رؤى واضحة، نقلت البلاد في العقدين الأخيرين إلى مكانة راقية.

لطالما تغنينا كزوار لهذا البلد بطيبة أهله وكرمهم وبنظافة شوارعه، وتطور بناه التحتية، وشبكة مواصلاته، والتسهيلات الرياضية الموجودة في كل حي؛ وهذا ما يراه كل زائر طابت نفسه وفرح لنجاح أبناء جلدته، ولم يفسد الحسد والغيرة قلبه.

نعم، إن السبب في الكثير من التصريحات الجاحدة هو "الحسد"، لأن الفشل في بعض النفوس ليس مجرد حظ عاثر، بل هو عدسة مشوهة ترى في كل نجاح إهانة شخصية. لذا، يحاول الفاشل أن يطفئ كل مصباح يضيء حوله، خشية أن يكشف هذا الضوء ملامح عجزِه.

وفي مشهدٍ يختصر الفارق بين عقلية المبادرة ومنطق السكون، ظلّت أروقة الاتحاد الأفريقي (الكاف) شهوراً تنتظر صدىً لندائها، تبحث عن أرضٍ تحتضن 'عرس النساء الكروي '، لكن الصمت كان الجواب الوحيد؛ ففي حين أحجمت الدول وترددت العزائم، تقدم المغرب بمبادرته لملء هذا الفراغ التنظيمي.

وهنا تكمن المفارقة؛ فبينما كان البعض يكتفي بدور المتفرج أو يترقب تعثر المسيرة، كان هناك من يغرس في الأرض نجاحاً ملموساً. إن قصة هذا التنظيم ليست مجرد استضافة رياضية، بل هي درس في أن الناجح لا ينتظر الزحام ليتميز، بل يشرع في البناء حيثما يخشى الآخرون التقدم وهذا ما أكده رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي بقوله أن المغرب يمثل "الخطة أ، وب، وج" للقارة الأفريقية عندما تغيب البدائل الجاهزة، مشيراً إلى أن المملكة تضع إمكانياتها تحت تصرف القارة في الأوقات التي يتردد فيها الآخرون بسبب التكاليف أو ضعف القدرات التنظيمية، ولهذا تبرع المغرب بتنظيم كأس الأمم الأفريقية للسيدات رغم ضيق الوقت الذي يفصلها عن الدورة التي انتهت قبل أيام.

فبالله عليكم بأي وجه تتحدثون؟ وبأي جرأة تنتقدون وأنتم عاجزون خائفون؟ دعونا نرى قدراتكم الفعلية لا الكلامية، نظموا دورات أفضل ودعونا نصفق لكم!

إنه لمن العجيب، بل ومن قمة الهزل، أن ترى أولئك الذين استمرأوا القعود، فصاروا كالجالسين على الأرائك، يتابعون الملاحم عبر الشاشات؛ يحيطون أنفسهم بالمأكولات والمشروبات، ثم بكل جرأة، ينصبون أنفسهم قضاةً ينتقدون عرق الرياضيين وأداء الأبطال في الميدان! إنهم يريدون للجميع أن يشاركوهم تلك الكنبة، وأن يتدلى طموحُ الناس كما تدلت كروشهم؛ فكل نجاحٍ يحققه المغامر هو وخزةُ ضميرٍ تؤرق سباتهم، لذلك لا يجدون ملاذاً إلا السخرية من "الفعل" لأنهم عجزوا عن سلوك دربه.

وإن كنت أفهم أن يفرح أهل السنغال بفوز منتخبهم بالكأس، وليس بالبطولة فتلك لها معايير وأخلاقيات معينة بعيدة عما رأيناه في المباراة الختامية. ولكن وبغض النظر عن ذلك. فالذي لا أفهمه هو فرح الجمهور ووسائل الإعلام في دول عربية أخرى بفوز منتخبٍ هزمهم وأخرجهم من المباريات، لا لشيء إلا كراهيةً للمغرب! هذا القصور الفكري والتصرف الصبياني، هو التجسيد الأدق لمقولة: "ودّت الزانية لو أن النساء كلهن زواني".

حاولوا أن تبنوا بلدانكم، وتطوروا إنسانكم، وتستفيدوا من تجربة المملكة المغربية التي أكدت أن المستحيل ليس مغربياً، وأن المملكة تكاد تكون "جزيرة" من الإنجازات في هذه القارة.

عرض المحتوى حسب: