في ليلة ستبقى خالدة في تاريخ الكرة الأوروبية، فجّر نادي بودو جليمت النرويجي، واحدة من أكبر مفاجآت دوري أبطال أوروبا، بإقصائه العملاق الإيطالي إنترناسيونالي من البطولة، مؤكّدًا أن كرة القدم لا تعترف بالأسماء بقدر ما تعترف بالشجاعة والتنظيم والهوية.
الفريق القادم من أقصى شمال النرويج، من مدينة صغيرة تقع فوق الدائرة القطبية الشمالية، كتب فصلاً جديدًا في حكايات "المستحيل" داخل الملاعب الأوروبية، وهو المُتوج بالدوري النرويجي 4 مرات (2020، 2021، 2023، 2024).
* مدينة صغيرة وحلم بحجم القارة
يقع النادي في مدينة بودو، التي لا يتجاوز عدد سكانها 55 ألف نسمة. مناخ قاسٍ، برد قارص، وشتاء طويل تغيب فيه الشمس لفترات ممتدة، ومع ذلك، تحوّلت هذه البيئة الصعبة إلى مصدر قوة للفريق.
اللعب في أقصى الشمال منح النادي شخصية خاصة: انضباط تكتيكي، لياقة بدنية عالية، وقدرة على التأقلم مع مختلف الظروف. الفريق لا يعتمد على نجوم عالميين، بل على منظومة جماعية متماسكة تؤمن بفكرة واحدة: لا شيء مستحيل.
* ملعب بارد… لكنه مشتعل بالأحلام
يخوض بودو غليمت مبارياته على ملعب "Aspmyra Stadion"، وهو ملعب صغير نسبيًا مقارنة بعمالقة أوروبا، لكن تأثيره كبير، علما أنه يتسع لأقل من 7500 متفرج.
درجات الحرارة المنخفضة، والرياح القادمة من البحر تشكل عوامل صعبة للفرق الزائرة، وكثير من الأندية الكبرى عانت هناك، لأن طريقة ارتداد الكرة وسرعة اللعب تختلف عن الملاعب الأوروبية التقليدية، وفيه سقط توتنهام هوتسبير الإنجليزي في فخ التعادل (2-2)، بينما كانت المفاجأة الكبرى الفوز على مانشستر سيتي (3-1)، وبعد إسقاط الإنتر بنفس النتيجة (3-1) في ذهاب الملحق المؤهل لثمن نهائي دوري الأبطال، كما استطاع الفريق الفوز على أتلتيكو مدريد في معقله (1-2)، واليوم انتصر أيضا على الإنتر في ملعبه التاريخي "جيوزيبي مياتزا" في ميلانو بنتيجة 1-2.
* الظهور الأوروبي منذ 1976
شهدت المسيرة الأوروبية لنادي بودو جليمت بدايات متواضعة منذ أول مشاركة له عام 1976 في كأس الكؤوس الأوروبية، حين ودّع المنافسة مبكرًا أمام نابولي الإيطالي. وتكررت مشاركاته في المسابقة ذاتها لاحقًا دون أن ينجح في تجاوز الأدوار الأولى، كما خاض منافسات كأس الاتحاد الأوروبي (الدوري الأوروبي حاليًا) في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، لكن دون ترك بصمة تُذكر. ظلّ النادي لسنوات طويلة مجرد اسم عابر في الساحة القارية، يشارك ويغادر بهدوء.
غير أن التحوّل الحقيقي بدأ مع مطلع العقد الحالي. ففي موسم 2021-2022، وبعد خروجه من تصفيات دوري الأبطال أمام ليجيا وارسو، انتقل إلى النسخة الأولى من دوري المؤتمر الأوروبي وكتب واحدة من أبرز قصص البطولة، حين أمطر شباك روما بسداسية تاريخية في دور المجموعات، قبل أن يبلغ ربع النهائي. ومنذ ذلك الحين، بات حضوره الأوروبي أكثر انتظامًا، فتنقل بين دوري الأبطال والدوري الأوروبي ودوري المؤتمر، ونجح في مقارعة أسماء كبيرة مثل أسنال، مكتسبًا خبرة قارية متراكمة.
ذروة هذا الصعود تجلت في موسم 2024-2025، حين بلغ نصف نهائي الدوري الأوروبي بعد إقصاء أندية بارزة مثل لاتسيو، ليصبح أول فريق نرويجي يصل إلى هذا الدور في مسابقة أوروبية.
ورغم سقوطه أمام توتنهام الذي تُوج لاحقًا باللقب، فإن النادي أكد أنه لم يعد ضيفًا عابرًا في القارة. وفي الموسم الحالي، حقق إنجازًا تاريخيًا بتأهله إلى مرحلة الدوري من دوري أبطال أوروبا لأول مرة في تاريخهz، قبل أن يصنع الحدث بفوزين مدويين على مانشستر سيتي وأتلتيكو مدريد والإنتر، ليؤكد أن صعوده لم يكن صدفة، بل نتيجة مشروع رياضي تصاعدي وضع الكرة النرويجية مجددًا على الخريطة الأوروبية.

















