كرونو

None

الشغب الجماهيري.. التحوّل من ردة الفعل بعد "الآفة" إلى "الوقاية" بفرض قرارات صارمة سبيل وحيد للحد من هذا "الدّاء الفتاك"!

يعود النقاش بعد أحداث الشغب التي رافقت مباراة و إلى طرح إشكالية العلاقة بين الفرجة الرياضية وحدود السلوك الجماهيري داخل الملاعب.

ما وقع من أعمال تخريب واعتداءات على قوات الأمن يخرج عن الإطار الرياضي، ويدخل في دائرة المساس بالنظام العام، بما يفرض التعامل معه باعتباره سلوكًا معزولًا من جهة، ومؤشرًا على اختلالات في تدبير الظاهرة من جهة أخرى.

في مقاربة الظاهرة، يظل البعد الزجري عنصرًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه، فالتجارب الدولية تُظهر أن الردع الصارم، بما في ذلك منع التنقل، إغلاق المدرجات، والغرامات المالية الثقيلة، ساهم في الحد من ظاهرة الشغب في عدد من الدوريات الأوروبية، غير أن فعالية هذا التوجه ترتبط بتطبيقه بشكل منتظم ومنسق، وليس كإجراءات ظرفية بعد كل حادث.

وفي هذا السياق، يرى عالم النفس الاجتماعي Gustave Le Bon في كتابه سيكولوجية الجماهير أن الفرد داخل الحشود يفقد جزءًا من قدرته على الحكم العقلاني، ويتحول إلى سلوك أكثر اندفاعًا تحت تأثير الجماعة، وهو ما يفسر سرعة تحول بعض التجمعات إلى العنف في لحظات التوتر، كما وقع في مباراة الأمس.

كما يذهب عالم الاجتماع Pierre Bourdieu إلى أن السلوك داخل الفضاءات الجماعية لا ينفصل عن البنية الاجتماعية والثقافية التي ينتج فيها، وأن ما يظهر في المدرجات هو انعكاس لتراكمات أعمق تتجاوز اللحظة الرياضية نفسها.

في ظل هذا النقاش، يجب الحديث عن تحمل الأندية مسؤولية مباشرة في تدبير علاقتها بجماهيرها، من خلال التأطير والتواصل والحد من مظاهر الانفلات، إذ تعد هذه العلاقة الثنائية جزءًا من المعادلة، ليس باعتبارها مصدر المشكلة فقط، بل باعتبارها فاعلًا يحتاج إلى تنظيم واضح يضمن ضبط السلوك داخل إطار قانوني ومؤسساتي بين الطرفين.

ويبرز في هذا السياق أن العقوبات الموجهة للجماهير والأندية، بما في ذلك منع التنقل بين المباريات، تشكل إحدى الأدوات الأساسية للحد من الظاهرة، على غرار ما هو معمول به في أبرز الدوريات العالمية، حيث يتم اعتماد هذا الإجراء بشكل صارم وممنهج لقطع امتداد العنف بين الملاعب، غير أن هذا النوع من الإجراءات يظل أكثر فعالية حين يُدمج داخل سياسة شاملة تجمع بين الزجر، المراقبة، والتأطير المستمر.

في السياق المغربي، تأتي هذه النقاشات في لحظة رياضية مفصلية، مع الاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030، وهو حدث يمثل محطة مركزية في مسار تطوير كرة القدم الوطنية وتعزيز صورتها على المستوى القاري والدولي، هذا الرهان يفرض رفع مستوى الانضباط داخل الملاعب، باعتبار أن التنظيم الجيد لا يكتمل فقط بالبنية التحتية، بل أيضًا بسلامة الفضاء الجماهيري.

والمسار الرياضي للمغرب، في ظل التحضيرات للمونديال، يجعل من مسألة الشغب الجماهيري ملفًا حساسًا مرتبطًا بصورة البلد على الصعيد الدولي، ما يضاعف من أهمية اعتماد سياسة واضحة وصارمة في تدبير الجماهير.

في النهاية، يبقى الرهان الأساسي هو الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية، عبر مزيج من الصرامة القانونية، والتنظيم المؤسساتي، والتأطير الاجتماعي، بما يضمن حماية الملاعب المغربية من الانفلات، ويحافظ على صورة كرة القدم الوطنية في سياقها الدولي المتقدم.

عرض المحتوى حسب: